سيد محمد طنطاوي

63

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بل عن مخالفتهم . فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم في كل زمان ومكان . وقال - سبحانه - * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * بصيغة التنكير ، لعموم النفي ، بحيث يتناول الحق الثابت ، والحق المزعوم ، أي أنهم لم يكونوا معذورين بأي لون من ألوان العذر في هذا الاعتداء فقد أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل ، فكان فعلهم هذا إجراما في بواعثه وفي حقيقته ، وأفظع أنواع الإجرام في موضوعه . وقوله * ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) * في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة * ( يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ) * إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك . ووصفهم ثالثا بأنهم * ( يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ) * . والقسط : العدل . يقال : قسط يقسط ويقسط قسطا ، وأقسط إقساطا إذا عدل . أي : لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاؤوا لهدايتهم وسعادتهم ، وإنما يقتلون مع ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم . وفي قوله * ( مِنَ النَّاسِ ) * إشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء ، بل من الناس غير المبعوثين . وفي قرنهم بالأنبياء ، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء ، إشارة إلى بيان علو منزلتهم ، وأنهم ورثتهم الذين يدعون بدعوتهم . وعبر عن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة أفعالهم الشنيعة في أذهان المخاطبين ، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما استطاعوا إليها سبيلا ، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم ، ولقد حاول اليهود في العهد النبوي أن يقتلوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولكن اللَّه - تعالى - نجاه من شرورهم . هذا ، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء والمصلحين ، ومن ذلك ما جاء عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول اللَّه : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيّا ، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ثم قرأ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّه ) * الآية . ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا منهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 355 .